السيد محمد تقي المدرسي
56
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها ، فهم فيها منعمون ، وهم النار كمن قد رآها فهم فيها معذبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، أجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، صبروا أياماً قصيرة اعقبتهم راحة طويلة ، تجارة مربحة ، يسرها لهم ربهم ، ارادتهم الدنيا فلم يريدوها ، واسرتهم ففدوا أنفسهم منها . اما الليل فصافون اقدامهم ، تالين لاجزاء القرآن ، يرتلونه ترتيلًا يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مروا بآية فيها تشويق وركنوا إليها طمعاً ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً ، وظنوا انها نصب أعينهم ، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف اصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا ان زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم . فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم ، وأكفهم ، وركبهم ، وأطراف اقدامهم ، يطلبون إلى الله تعالى فكاك رقابهم . واما النهار فحلماء ، علماء ، أبرار ، قد براهم الخوف ببري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ، ويقول : قد خولطوا ولقد خالطهم امر عظيم لا يرضون من اعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متهمون ، ومن اعمالهم مشفقون ، وإذا زكي أحد منهم خاف مما يقال له فيقول : أنا اعلم بنفسي من غيري ، وربي اعلم مني بنفسي ، اللهم لا تؤاخذني يما يقولون ، واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي مالا يعلمون . فمن علامة أحدهم انك ترى له قوة في دين ، وحزماً في لين ، وأيماناً في يقين وحرصاً في علم ، وعلماً في حلم ، وقصداً في غنى ، وخشوعاً في عبادة ، وتجملًا في فاقة ، وصبراً في شدة ، وطلباً في حلال ، ونشاطاً في هدى ، وتحرجاً عن طمع ، يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل ، يمسى وهمه الشكر ، ويصبح وهمه الذكر ، يبيت حذراً ، ويصبح فرحاً : حذراً لما حذر من الغفلة ، وفرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة . ان استصعبت عليه نفسه فيما تركه ، لم يعطها سؤلها فيما تحب ، قرة عينه فيما لا يزول ، زهادته فيما لا يبقى ، يمزج الحلم بالعلم ، والقول بالعمل ، وتراه قريباً أمله ، قليلًا زلله ، خاشعاً قلبه قانعة نفسه منزوراً أكله ، سهلًا امره ، حريزاً دينه ، ميتة شهوته ، مكظوماً